كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وسيأتي تفصيل ما أجملوه من أمر الهياكل عند ذكر أصحابها إن شاء الله تعالى.
أجابت الحنفاء بأن قالوا: الآن: نزلتم عن نيابة الروحانيات الصرفة إلى نيابة هياكلها، وتركتم مذهب الصبوة الصرفة؛ فإن الهياكل: أشخاص الروحانيين، والأشخاص: هياكل الربانيين؛ غير أنكم أثبتم لكل روحاني هيكلًا خاصًا، له فعل خاص لا يشاركه فيه غيره.
ونحن نثبت أشخاصًا رسلًا كرامًا، تقع أوضاعهم وأشخاصهم في مقابلة كل الكون: الروحاني منهم: في مقابلة الروحاني منها، والأشخاص منهم: في مقابلة الهياكل منها، وحركاتهم: في مقابلة حركات جميع الكواكب والأفلاك، وشرائعهم مراعاة حركات استندت إلى تأييد إلهي، ووحي سماوي: موزونة بميزان العدل، مقدرة على مقادير الكتاب الأول؛ ليقوم الناس بالقسط، ليست مستخرجة بالآراء المظلمة، ولا مستنبطة بالظنون الكاذبة: إن طابقتها على المعقولات: تطابقتا، وإن وافقتها بالمحسوسات: توافقتا.
كيف ونحن ندعي: أن الدين الإلهي هو الموجود الأول، والكائنات تقدرت عليه؛ وأن المناهج التقديرية هي الأقدم؛ ثم المسالك الخلقية والسنن الطبيعية توجهت إليها. ولله تعالى سنتان في خلقه وأمره، والسنة الأمرية اقدم وأسبق من السنة الخلقية؛ وقد أطلع خواص عباده من البشر على السنتين: ولن تجد لسنة الله تحويلًا: هذا من جهة الخلق، ولن تجد لسنة الله تبديلًا: هذا من جهة الأمر.
فالأنبياء عليهم السلام: متوسطون في تقرير سنة الأمر، والملائكة: متوسطون في تقرير سنة الخلق. والأمر أشرف من الخلق؛ فمتوسط الأمر أشرف من متوسط الخلق؛ فالأنبياء عليهم السلام: أفضل من الملائكة. وهذا عجب: حيث صارت الروحانيات الأمرية متوسطات في الخلق، وصارت الأشخاص الخلقية متوسطين في الأمر...؛ ليعلم: إن الشرف والكمال في التركيب لا في البساطة، واليد للجسمائي لا للروحاني، والتوجه إلى التراب أولى من التوجه إلى السماء، والسجود لآدم عليه السلام أفضل من التسبيح والتحميد والتقديس.
وليعلم: أن الكمال في إثبات الرجال؛ لا في تعيين الهياكل والظلال، وانهم هم الآخرون وجودًا، السابقون فضلًا، وأن آخر العمل أول الفكرة، وأن الفطرة لمن له الحجة. وأن المخلوق بيديه لا يكون كالمكون بحرفيه؛ قال عز وجل: «فوعزتي وجلالي، لا أجعل من خلقته بيدي، كمن قلت له: كن، فكان».
قالت الصابئة الروحانيات: مبادئ الموجودات وعالمها: معاد الأرواح. والمبادئ أشرف ذاتًا، وأسبق وجودًا، وأعلى رتبة ودرجة من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها. وكذلك عالمها؛ عالم، المعاد؛ والمعاد كمال؛ فعالمها عالم الكمال. فالمبدأ منها، والمعاد إليها، والمصدر عنها، والمرجع إليها بخلاف الجسمانيات. وأيضًا؛ فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان، فتوسخت بأوضار الأجسام، ثم تطهرت عنها: بالأخلاق الزكية، والأعمال المرضية؛ حتى انفصلا عتها، فصعدت إلى عالمها الأول. والنزول هو النشأة الأولى، والصعود هو النشأة الآخرة. فعرف أنهم أصحاب الكمال، لا أشخاص الرجال.
أجابت الحنفاء قالوا: من أين تسلمتم هذا التسليم: أن المبادئ هي: الروحانيات؟ وأي برهان أقمتم؟؛ وقد نقل عن كثير من قدماء الحكماء: إن المبادئ هي: الجسمانيات، على اختلاف منهم في الأول منها: أنه نار، أو هواء، أو ماء، أو أرض؟ واختلاف آخر: أنه مركب، أو بسيط؟ واختلاف آخر: أنه إنسان، أو غيره؟؛.. حتى صارت جماعة إلى إثبات أناس سرمديين.
ثم منهم من يقول: أنهم كانوا كالظلال حول العرش، ومنهم من يقول: إن الآخر وجودًا من حيث الشخص في هذا العالم: هو الأول وجودًا من حيث الروح في ذلك العالم. وعليه: خرج أن أول الموجودات نور محمد عليه السلام؛ فإذا كان شخصه هو الآخر من جملة الأشخاص النبوية، فروحه هو الأول من جملة الأرواح الربانية، وإنما حضر هذا العالم ليخلص الأرواح المدنسة بالأوضار الطبيعية، فيعيدها إلى مبدئها؛ وإذا كان هو المبدأ، فهو المعاد أيضًا. فهو النعمة وهو النعيم، وهو الرحمة وهو الرحيم.
قالوا: ونحن إذا أثبتنا إن الكمال في التركيب، لا في البساطة والتحليل؛ فيجب أن يكون المعاد بالأشخاص والأجساد، لا بالنفوس والأرواح؛ والمعاد كمال لا محالة. غير أن الفرق بين المبدأ والمعاد هو أن الأرواح في المبدأ مستورة بالأجساد، وأحكام الأجساد غالبة، وأحوالها ظاهرة للحس؛ والأجساد في المعاد مغمورة بالأرواح، وأحكام النفوس غالبة، وأحوالها ظاهرة للعقل؛ وإلا: فلو كانت الأجساد تبطل رأسًا، وتضمحل أصلًا، وتعود الأرواح إلى مبدئها الأول: ما كان الاتصال بالأبدان والعمل بالمشاركة فائدة؛ ولبطل تقدير الثواب والعقاب على فعل العباد. ومن الدليل القاطع على ذلك: أن النفوس الإنسانية في حال اتصالها بالبدن اكتسبت أخلاقًا نفسانية صارت هيئات متمكنة فيها تمكن الملكات، حتى قيل: أنها نزلت منزلة الفصول اللازمة التي تميزها عن غيرها، ولولاها لبطل التمييز. وتلك الهيئات إنما حصلت بمشاركات من القوى الجسمانية، بحيث لن يتصور وجودها إلا مع تلك المشاركة، وتلك القوى لن تتصور إلا في أجسام مزاجية، فإذا كانت النفوس لن تتصور إلا معها وهي المعينة المخصصة وتلك لن تتصور إلا مع الأجسام؛ فلابد من حشر الأجسام، والمعاد بالأجسام.
قالت الصابئة: طريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر، وشرعنا معقول؛ فإن قدماءنا من الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصًا في مقابلة الهياكل العلوية على نسب وإضافات؛ راعوا فيها: جوهرًا وصورة، وعلى أوقات وأحوال وهيئات؛ أوجبوا على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العلويات: تختمًان ولباسًا، وتبخرًا، ودعاء، وتعزيمًا؛ فتقربوا إلى الروحانيات، فتقربوا إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب. وهو طريق متبع، وشرع ممهد: لا يختلف بالأمصار والمدن، ولا ينتسخ بالأدوار والأكوار. ونحن تلقينا مبدأه من عاذيمون وهرمس العظيمين؛ فعكفنا على ذلك دائمين.
وأنتم معاشر الحنفاء تعصبتم للرجال، وقلتم بأن الوحي والرسالة ينزلوا عليهم من عند الله تعالى بواسطة، أو بغير واسطة. فما الوحي أولًا؟ وهل يجوز أن يكلم الله بشرًا؟ وهل يكون كلامه من جنس كلامنا؟ وكيف ينزل ملك من السماء وهو ليس بجسماني: ابصورته أم بصورة البشر؟ وما معنى تصوره بصورة الغير: أفيخلع صورته ويلبس لباسًا آخر، أم يتبدل وضعه وحقيقته؟. ثم ما لبرهان أولًا على جواز انبعاث الرسل في صورة البشر؟ وما دليل كل مدع منهم؟: أفنأخذ بمجرد دعواه، أم لابد من دليل خارق للعادة؟ وإن أظهر ذلك: أفهو من خواص النفوس؟ أم من خواص الأجسام؟ أم من فعل الباري تعالى؟. ثم ما الكتاب الذي جاء به: أفهو كلام الباري تعالى، وكيف يتصور في حقه كلام؟ أم هو كلام الروحاني؟. ثم هذه الحدود والأحكام أكثرها غير معقولة، فكيف يسمح عقل الإنسان بقبول أمر لا يعقله؟ وكيف تطاوعه نفسه بتقليد شخصه مثله؟ أبأن يريد أن يتفضل عليه؟ {ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}.
أجابت الحنفاء بأن المتكلمين منا يكفوننا جواب هذا الفصل بطريقتين: أحدهما الإلزام: تعرضًا لإبطال مذهبنا. والثاني الحجة: تعرضًا لإثبات مذهبنا.
أما الإلزام؛ فقالوا: إنكم ناقضتم مذهبكم؛ حيث قلتم بتوسط عاذيمون وهرمس، وأخذتم طريقتكم منهما. ومن أثبت المتوسط في إنكار المتوسط؛ فقد تناقض كلامه، وتخلف مرامه.
وزادوا هذا تقريرًا: بأنكم معاشر الصابئة أيضًا متوسطون، يحتاج إليكم في التزام مذهبكم؛ إذ من المعلوم أن كل من دب ودرج منكم ليس يعرف طريقتكم، ولا يقف على صنعتكم: من علم، وعمل. أما العلم فالإحاطة بحركات الكواكب والأفلاك، وكيفية تصرف الروحانيات فيها. وأما العمل فصنعة الأشخاص في مقابلة الهياكل على النسب بل قوم مخصوصون أو واحد في كل زمان: يحيط بذلك علمًا، ويتيسر له عملًا؛ فقد أثبتم متوسطًا عالمًا من جنس البشر، وقد ناقض آخر كلامكم أوله.
وزادوا هذا تقريرًا آخر بإلزام الشرك عليهم: إما الشرك في أفعال الباري تعالى، وإما الشرك في أوامره.
أما الشرك في الأفعال فهو إثبات تأثيرات الهياكل والأفلاك؛ فإن عندهم: الإبداع الخاص بالرب تعالى هو اختراع الروحانيات ثم تفويض أمور العالم العلوي إليها، والفعل الخاص بالروحانيات هو تحريك الهياكل ثم تفويض أمور العالم السفلي إليها؛ كمن يبني معملة، وينصب أركانًا للعمل من: الفاعل، والمادة، والآلة، والصورة، ويفوض العمل إلى التلامذة. فهؤلاء اعتقدوا أن الروحانيات آلهة، والهياكل أرباب، والأصنام في مقابلة الهياكل باتخاذ وتصنع من كسبهم وفعلهم. فألزم أصحاب الأصنام: أنكم تكلفتم كل التكلف حتى توقعوا حجرًا جمادًا في مقابلة هيكل، وما بلغت صنعتكم إلى إحداث: حياة فيه، وسمع، وبصر، ونطق، وكلام: {أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}؟ أو ليست النسب أوضاعكم الفطرية، وأشخاصكم العقلية: أفضل منها وأشرف؟ أو ليست النسب والإضافات النجومية المرعية في خلقكم: أشرف وأكمل مما راعيتموها في صنعكم؟: {أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} أو لستم تحتاجون إلى المتوسط المعمول لقضاء حاجة؟: إما جلب نفع، أو دفع ضر؟؛ فهذا العامل الصانع أقدر؛ إذ فيه من القوة العلمية والعملية ما يستعمل به الهياكل العلوية ويستخدم الأشخاص الروحانية؛ فهلا ادعى لنفسه ما يثبت بفعله من جماد؟! ولهذا الإلزام تفطن اللعين فرعون حيث ادعى الإلهية والربوبية لنفسه وكان في الأصل على مذهب الصابئة فصبا عن ذلك ودعا إلى نفسه، فقال: أنا ربكم الأعلى، ما علمت لكم من إله غيري؛ إذ رأى في نفسه قوة الاستعمال والاستخدام، واستظهر بوزيره هامان، وكان صاحب الصنعة؛ فقال: ياهامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات، فأطلع إلى إله موسى. وكان يريد أن يبني صرحًا مثل الرصد فيبلغ به إلى حركات الأفلاك والكواكب، وكيفية تركيبها، وهيئآتها، وكمية أدوارها وأكوارها؛ فلربما يطلع على سر التقدير في الصنعة، ومآل الأمر في الخلقة والفطرة... ومن أين له هذه القوة والبصيرة؟! ولكن: اعتزاز بنوع فطنة وكياسة في جبلته، واغترار بضرب إهمال في مهله؛ فما تمت لهم الصنعة حتى أغرقوا فأدخلوا نارًا.
فحدث بعده السامري وقد نسج على منواله في الصنعة، حتى أخذ قبضة من أثر الروحاني، وأراد أن يرقى الشخص الجمادي عن درجته إلى درجة الحيواني؛ فاخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار، وما أمكنه أن يحدث فيه ما هو أخص أوصاف المتوسط من الكلام والهداية: ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلًا؟ فانحسر في الطريق... حتى كان من الأمر ما كان، وقيل: لنحرقنه، ثم لننسفنه في اليم نسفًا.
ويا عجبًا من هذا السر!! حيث: أغرق فرعون فأدخل النار؛ مكافئة على دعوة الإلهية لنفسه، وأحرق العجل ثم نسف في اليم؛ مكافئة على إثبات الإلهية له. وما كان للنار والماء على الحنفاء يد للاستيلاء: قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم؛ فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك.
هذه مراتب الشرك في الفعل، والخلق.
ويشبه أن يكون دعوى اللعينين: نمرود، وفرعون: أنهما إلهان أرضيان كالآلهة السماوية الروحانية: دعوى الإلهية من حيث الأمر لا من حيث الفعل، والخلق؛ وإلا ففي زمان كل واحد منهما من هو أكبر منه سنًا، وأقدم في الوجود عليه... فلما ظهر من دعواهما أن الأمر كله لهما، فقد ادعيا الإلهية لنفسها. وهذا هو الشرك الذي ألزمه المتكلم على الصابئ؛ فإنه لما ادعى أنه أثبت في الأشخاص ما يقضي به حاجة الخلق، فقد عاد بالتقدير إلى صنعته، وو قف بالتدبير على معاملته؛ فكان الأمر بأن هذا الفعل واجب الإقدام عليه، وهذا واجب الإحجام عنه أمرًا في مقابلة أمر الباري تعالى، والمتوسط فيه متوسط الأمر؛ وكان شركًا؛ إذ لم ينزل الله به سلطانًا، ولا أقام عليه حجة وبرهانًا.
كيف، وما يتمسك به من الأحكام مرتبة على هيئات فلكية: لم تبلغ قوة البشر قط إلى مراعاتها؟ ولا يشك أن الفلك كله يتغير لحظة فلحظة بتغير جزء من أجزاءه تغير الوضع والهيئة؛ بحيث لم يكن على تلك الهيئة فيما سبق، ولا يرجع إلى تلك فيما يستقبل. ومتى يقف الحاكم على تغيرات الأوضاع حتى تكون صنعته في الأشخاص والأصنام مستقيمة؟! وإذا لم تستقم الصنعة فكيف تكون الحاجة مقضية؟!... ومن رفع الحاجة إلى من لا ترفع الحوائج إليه فقد أشرك كل الشرك.
وأما الطريق الثاني: فإقامة الحجة على إثبات المذهين ولمتكلمي الحنفاء فيه مسلكان أحدهما أن يسلك الطريق نزولًا من أمر الباري تعالى إلى سد حاجات الخلق، والثاني: أن يسلك الطريق صعودًا من حاجات الخلق إلى إثبات أمر الباري تعالى؛ ثم تخرج الإشكالات عليهما.
أما الأول؛ فقال المتكلم الحنيف: قد قامت الحجة على أن الباري تعالى: خالق الخلائق، ورازق العباد وأنه المالك الذي له الملك والملك. والمالك هو أن يكون له على عباده: أمر، وتصريف؛ وذلك أن حركات العباد قد انقسمت إلى اختيارية، وغير اختيارية؛ فما كان منها باختيار من جهتهم، فيجب أن يكون له فيها: تصريف، وتقدير. ومن المعلوم: أن ليس كل أحد يعرف حكم الباري تعالى، وأمره؛ فلابد إذن من واحد يستأثره بتعريف حكمه وأمره في عباده، وذلك الواحد يجب أن يكون من جنس البشر، حتى يعرفهم أحكامه وأوامره؛ ويجب أن يكون مخصوصًا من عند الله عز وجل بآيات خلقية هي حركات تصريفية وتقديرية، يجريها الله على يده عند التحدي بما يدعيه؛ تدل تلك الآيات على صدقه، نازلة منزلة التصديق بالقول. ثن إذا ثبت صدقه وجب أتباعه في جميع ما يقول ويفعل، وليس يجب الوقوف على كل ما يأمر به وينهى عنه؛ إذ ليس كل علم تبلغ إليه قوة البشر.
ثم الوحي من عند العزيز يمد حركاته الفكرية، والقولية، والعملية: بالحق في الأفكار، والصدق في الأقوال، والخير في الأفعال. فبطرف يماثل البشر؛ وهو طرف الصورة، وبطرف يوحى إليه؛ وهو طرف المعنى والحقيقة: {قل سبحان ربي هل كنت بشرًا رسولًا} فبطرف يشابه نوع الإنسان، وبطرف يماثل نوع الملائكة، وبمجموعهما يفضل النوعين؛ حتى تكون بشريته فوق بشرية النوع: مزاجًا؛ واستعدادًا، وملكيته فوق ملكية النوع الآخر: قبولًا؛ وأداء، فلا يضل ولا يغوي بطرف البشرية، ولا يزيغ ولا يطغى بطرف الروحانية؛ فيقرر أن أمر الباري تعالى واحد: لا كثرة فيه، ولا انقسام له: {وما أمرنا إلا بواحدة} غير أنه يلبس تارة عبارة العربية، وتارة عبارة العبرية، والمصدر يكون واحدًا، والمظهر متعددًا.